نهر الذكريات

لي مع الأحلام علاقة مميزة، تارة أسافر من خلالها إلى أماكن جديدة أجوبها كما لو كانت الزيارة حقيقيّة تمامًا، وتارة تنبئني أحلامي بشيء سرعان ما يتحقّق، أحيانًا أعود فيها إلى ماضٍ مرّت عليه مئات السنين، أو أنتقل إلى المستقبل وأتساءل عن ما جرى بأمور تهمّني حاليًا. عدا عن الشخصيات المعاصرة والتاريخية التي التقيتها في أحلامي.

الليلة، فاق حلمي توقّعاتي، وأدهشني بكمية الحنين في لاوعيي، استيقظتُ منه وأنا أستشعر خسارتي في أنه انتهى منذ سنوات.

في الحلم، كنتُ مع أهلي وإخوتي جميعًا، حتى من أردته الحرب شهيدًا من بينهم، كنا في مزرعة والدي في سوريا، مزرعة بسيطة، أشجار مشمش وتوت وعنب، وأرض مزروعة بالخضار الصيفية. كنتُ أقف على السطح (كما كنتُ أفعل قبل عشر سنوات) أتأمّل الخضرة حولي، كل شيء كان ساحرًا مع شمس الأصيل، قلتُ لنفسي بصوت عال “ياه.. أجمل من تركيا بألف مرة”، كنت مخدّرة بالجمال الآسر على مدّ العين، بلمّتي مع إخوتي، بالهدوء الذي لم يكن صفة آخر أيامي في بلدي، وبأنّها في الحقيقة أجمل مما أتذّكر! تساءلتُ في الحلم “كيف عدنا ومتى؟” لكنني قررتُ الاستمتاع باللحظة لأقصى حدّ، فقلت “لايهم”.

في الحلم سبحت وإخوتي في نهر عجيب، كلما اغترفت منه غرفةً وجدتُ في يدي تذكارًا من غابر الزمان، فهذه ساعة أخي، وتلك ربطة شعر أختي، وهنا سكّين ﻷبي اشتراها من السيدة زينب، وهكذا استمرت لعبة الاغتراف والعثور على أشيائنا الضائعة حتّى استيقاظي على صوت صغيري جائعًا.

وأنا هنا، أسجّل حلمي حتّى لا أنساه.. علّه يتحقّق يومًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *