مرحبًا مجددًا، سأكمل من حيث انتهيت في التدوينة التعريفية، أطلقتُ على مدونتي اسم “كلنكوتي” فلماذا؟
حسب ويكيبيديا ” الكلنكوة ويسمى أيضا كلانشو ، (الاسم العلمي:Kalanchoe) هي جنس من النباتات تتبع الفصيلة الكرسولية من رتبة كاسريات الحجر. ويضم حوالي 125 نوعاً. تتميز هذه النباتات بأزهارها الجميلة وتستعمل كنباتات زينة. “
بعيدًا عن هذا التعريف المقتضب، الكلنكوة من النباتات المحببة لي للغاية، ولي معها (أو بالأحرى لها معي) قصة وتجربة ممتدة على أزيد من أربعة سنوات ونصف.
بعد تجربة فاشلة في تربية القطط، لفتت نظري في متجر محلّي نبتة صغيرة ذات زهور وردية فاقعة (فوشيا)، لم أكن أعلم اسمها، ولم تكن لديّ أدنى تجربة مع تربية النباتات المنزلية، لكنني أعجبتُ بها واقتنيتها، قرأتُ على بطاقة السعر الملصقة أسفل الأصيص Kalanchoe، وبالبحث عرفت أنه اسم النبتة. إذن، هي ذات أصل وفصل وليست مجهولة النسب، “تشرفت بمعرفتك” قلت لها، وبدأت رحلتنا معا. كانت صغيرة للغاية، وسرعان ما أخذت بالنمو فبدّلنا أصيصها بآخر أكبر، وأصبحت زينة منزلنا، سألتني جارتي التركية عن اسمها، فكرتُ قليلًا وأجبتُ “ظريفة”، وهكذا صار اسم الكلنكوة الأولى ظريفة. بعد سنة انتقلنا إلى مدينة أخرى، ولم أجد “أظرف” من ظريفة لأتركها لجارتي ذكرى لأيامنا الجميلة وسهراتنا الدافئة معًا.
في المدينة الجديدة، وبعد ثلاثة أشهر، وجدتُ كلنكوة ذات أزهار برتقالية اللون في أحد المتاجر، وسارعتُ بشراءها شوقًا لظريفتي. لسوء الحظ، بدأت الكلنكوة تذوي، وعندما بحثتُ عن طرق العناية بها وجدتٌ أن الكلنكوة تحتاج ظروف إضاءة تتناسب ودورة الشمس في الطبيعة، ظلمة تامة ليلًا، وإضاءة جيدة نهارًا.
كان بيتنا صغيرًا للغاية، ولا شرفة فيه، لذا كانت الكلنكوة موجودة معنا على طاولة غرفة المعيشة والعمل، ما يعني أن إضاءة المنزل بعد غروب الشمس كانت تزعجها. كان المكان المظلم الوحيد في المنزل هو في زاوية خلف مكتبتنا، وهكذا، أصبحتُ أنقلها كل يوم عند غروب الشمس إلى تلك الزاوية المعتمة، واخرجها صباحًا إلى حافة النافذة. تحسّنت صحة الكلنكوة وبدأت أزهارها بالتفتح من جديد، لكن حادثًا مروعًا وقع لها؛ ذات هبّة ريح سقطت الكلنكوة من الطابق الثاني على الرصيف (نحمد الله أن لم تسقط على رأس أحدهم!)، سمعتُ صوت ارتطام الأصيص فهرعت وزوجي على الفور للملمة أغصانها المكسرة المتناثرة هنا وهناك! كنتُ ألمّها وأملي مفقود بإمكانية عودة الحياة لها. عدتُ للمنزل وغرستٌ الأغصان المكسّرة، استخدمتُ أعوادًا خشبية لدعم الأغصان الملتوية وربطها، سقيتها لترسيخ التراب على الجذور والأغصان، وانتظرت.
لم تتماثل الكلنكوة للشفاء على الفور، لكنها خلافًا لتوقعاتي تغلّبت على تلك التجربة، وعاشت! بل وأصبح لدي كلنكوة متعددة السيقان عوضًا عن ساق واحدة، وأزهرت من جديد!
حرصتُ للغاية على كلنكوتي الراجعة من الموت، لكن حرصي لم يمنع تكرار التجربة! عدنا يومًا من سوق الخضار لنجد الكلنكوة متناثرة على الرصيف، سقطت مجددًا بعد أن نسيتُ إدخالها قبل خروجنا من المنزل! “من حقها أن تموت الآن” قلتُ لنفسي وأنا ألملم بقايا أغصانها المبعثرة، وأقسمتُ ألا أخرجها إلى حافة النافذة من جديد. للمرة الثانية، عادت الحياة للأغصان الصغيرة، وأينعت الأوراق الخضراء الذابلة مجددًًا، يبدو أنها متشبّثة بالحياة أكثر مما أتوقع!
انتقلنا لمنزل جديد أكبر، بشرفة أتاحت للكلنكوة أن تعيش دورة الإضاءة بشكل سلس، دون مخاطر أن تحطّها “الريح من علٍ” :D، أو هكذا ظننتُ!

كانت نباتات أخرى قد انضمّت للكلنكوة في تزيين شرفتنا الجميلة، وفي عصر أحد الأيام الصيفية، كنتُ أنظف أرضية الشرفة وقد رفعتُ الكلنكوة ﻷنظف تحتها، عندما سقطت، وقلت لنفسي “لااا.. الثالثة ثابتة”. لكنها لم تكن كذلك! هذه المرّة سقطت كلنكوتي على نبتة أخرى، فأردتها قتيلة، وبقيت الكلنكوة بأغصانها المبعثرة هنا وهناك حيّة تعلن انتصارها على ضروب الدهر! قلتُ لإحدى صديقاتي أثناء الحديث عنها “لو كانت الجنسيات تمنح للنباتات لكانت كلنكوتي جديرة بحمل الجنسية السورية لكثرة المصائب التي حلّت على رأسها فاجتازتها بإعجاز!”
بعد كل هذه التفريعات، نقلت كلنكوتي لأصيص أكبر بعد أن أضحت أشبه بشجيرة صغيرة، وغرستُ غصنًا منها في أصيص آخر فنما وأضحى لدي كلنكوتين سريعتي النمو تتحديان الزمن وعوامل الحت والتعرية بأنواعها.

في خريف 2019، وأثناء ريّ النباتات، لاحظتُ مادة قطنية بين بعض أوراق الكلنكوة “الكثيفة للغاية”، وبالتدقيق وجدتُ حشرة تأكل من أوراقها السميكة!، سأل زوجي في مجتمع ريدت للعناية بالنباتات المنزلية، ورجحوا هناك أن نوعها كتربلر، وكان الحل في تقليم النبتة وقص جميع الاغصان المتضررة قبل أن تنشر الحشرة بيوضها في نباتات أخرى. وهذا ما كان، كنتُ أحاول فحص النبتة يوميًا للتفتيش عن أي حشرات فيها، وكانت نتيجة التقليم أن تضاءل حجمها للنصف، لكنها انتصرت على الحشرة في النهاية، وعاشت، وأورقت رغم برد الخريف، وبدأت براعم الزهر في التشكل أوائل الشتاء، وحسبتٌ أن “المرّ مرّ”، لكنّ تأبى حياة كلنكوتي الحافلة أن تمر بشكل اعتيادي! في أوائل شباط، فاجأتنا عاصفة ثلجية لم تكن بالحسبان، وكانت النتيجة أن ماتت صقيعًا العديد من النباتات لدينا، ومن بينها الكلنكوة.
ذبت كل أوراقها وصارت شفافة تقريبًا، وتجمّدت براعم زهورها الصغيرة بشكل محزن، قلتُ لنفسي، “هل يقتل الثلج نبتة تغلّبت على الموت 4 مرات”، وبدا لي أنّه فعل. لكنني لم أفقد الأمل، فقلّمتُ كل أوراقها الميتة، وقصصتُ أغصانها الكثيرة، وما كانت شجيرة في أواخر الصيف أصبحت عبارة عن أعواد خاوية من أي ورق، ومن أي معلم حياة.
رغم ذلك، كنتُ على أمل بقدرة جذورها القوية، تشبّثها بالحياة وانتصارها على تجارب الموت المحتّم زرعت في قلبي بصيص أمل، جعلني أسقيها مع بقية النباتات أسبوعيًا، متجاهلة منظرها الميت.
في أواسط شهر مارس، بعد شهر ونصف من العاصفة الثلجية، لمحتُ برعم ورقة خضراء في جذر أحد الأغصان المتيبسة، ظننتُه في البداية لنبات طفيلي، لكن تبيّن بعد مضي أيام من سماكة الورقة أنها تعود للكلنكوة! لقد قامت.. حقًا قامت!

اليوم هناك العديد من الأوراق الخضراء الصغيرة تعلن الربيع في أصيص كلنكوتي، الأصيص الذي يبدو كبيرًا للغاية عليها اليوم لكنني على يقين أنها ستملؤه براعم وزهور عمّا قريب!

اترك تعليقاً