قوس شعر

غازي الغشّاشي

البارحة، وبينما كنت أتصفح موقع تسوق بحثا عن اكسسوارات للشعر مرت معي صورة قوس (هكذا نسميه بلهجتنا السورية‍، ماذا يسمى بلهجاتكم؟) مخمليّ، أعاد لي على الفور ذكرى أستغرب احتفاظ ذاكرتي بها بعد أزيد من ٢٠ عاما.

كنت في العاشرة عندما أتت صديقتي إلى المدرسة ترتدي قوسا مشابها، كان بملمسه المخملي وسعة سطحه لا يشبه قوس شعري اللامع الضيق، سألتها عن مكان شراءه وسعره، فأخبرتني “١٠ ليرات.. من عند غازي”
ولما كان المبلغ أكبر من مصروفي اليومي، طلبت من والدتي فور عودتي للمنزل ١٠ ليرات لأشتري قوسا مثل قوس سماح!
أخبرتني أنها ستعطيني المبلغ قبل ذهابي للمدرسة في اليوم التالي، خفت أن تنسى، أو أن أنسى، لكنني آثرت عدم الإلحاح لئلا أحرم في النهاية من حلمي المخملي.

بقيت طيلة الدوام المدرسي أتأكد من العشر ليرات، أدخل يدي في جيب مريول المدرسة وأضمها بقوة حرصا عليها، حتى حان موعد الانصراف.
حملت حقيبتي على ظهري، أخرجت العشر ليرات من جيبي وقبضت عليها، ومضيت بعزم من شارف على تحقيق حلمه.
كانت المرة الاولى التي أقصد فيها دكان غازي رغم إطلاله المباشر على المدرسة، والسبب أن الوصول له يعني قطع تقاطع طرق، وهو ما لم تكن أمي تحبذه.

كان لدكان غازي واجهة زجاجية تصطف خلفها السلع، وردهة خارجية يقف فيها هو وصبي يعمل عنده، ويتلقون منها طلبات التلاميذ المكتظين حولهم كالنمل. مسحت بعيني واجهة المحل، ووجدت عدة أقواس مخملية مرصوفة على أحد رفوفها، غمرتني السعادة وسارعت بالوقوف وسط زحام تلاميذ الانصراف، علوت بصوتي بين أصوات من حولي (عمووو.. عمو.. عمو.. عمو..) مادة يدي بالعشر ليرات الرطبة لشدة قبضي عليها. في النهاية أخذ الصبي المبلغ مني (قوس مخمل عريض أبيض‌) قلت له الجملة التي كررتها في سري مرارا.
دخل الصبي إلى الدكان محملا بطلبات عدة تلاميذ، وعاد يوزع عليهم الديربي والاقلام والعصير وما طلبوه، لكن قوسي لم يكن بين ما يحمله!
(عمو انا بدي قوس مخمل عريض ابيض )
(حقو عشر ليرات)
(بس انا عطيتك)
هنا أتى “معلمه” غازي ليسأل عن المشكلة، فعاجله الصبي بقوله
(كذابة ما عطتني شي)
صاح بي غازي لأغادر دكانه.. ولما كررت قولي بأني دفعت لعامله ثمن القوس نهرني ونعتني بالكذب.. فعدت للبيت باكية
هناك أخبرت أمي وإخوتي بما حدث وأنا أبكي. كان معظم بكائي بسبب الإهانة التي لحقت بي أمام التلاميذ المحتشدين حولنا.. لم أتحمل أن أوصف بالكذب زورا بينهم جميعا، وكان ذلك أشد على نفسي من ضياع القوس.

لم يرغب أهلي في زيادة حجم المشكلة ومراجعة البائع، لكن جميع إخوتي قاطعوا الشراء من عند غازي الذي التصقت باسمه صفة الغشاشي (هكذا بمد الياء لتتناغم مع اسمه ). حتى اليوم، لا يزال إخوتي يلحقون باسم غازي صفة الغشاش حتى لو مر اسمه عرضا في جملة من قبيل (نلتقي في حارة غازي الغشاشي). أذكر أن أمي اشترت لي من السوق قوسا مخمليا أبيض لتعوضني، لكنه لم يكن عريضا كقوسي الذي بقي على رف الواجهة الزجاجية مدة طويلة، ولم يكن بإمكاني سوى الاطمئنان على وجوده باستراق النظر إليه كلما مررت أمام دكان غازي الغشاشي.. وأنا أردد في داخلي “قوس مخمل عريض أبيض”.

3 ردود على “غازي الغشّاشي”

  1. تبا لهم الباعة، التصق فيه اسم يستحقه
    نسميه عندنا طوق

    1. شكرا لك على التفاعل، الطوق لدينا هو الزينة التي توضع حول العنق، أعتقد أنكم تسمونها “عقد”

      1. صحيح 🙂
        على الرحب والسعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *