نصائح للحفاظ على الصحة النفسية أثناء دعم فلسطين

كمعظم من يقرأ هذه الكلمات، كنت أتابع الأخبار بشكل شبه آني في الفترة الماضية. لا تمضي دقائق إلا وأحدّث صفحة المتصفح ﻷرى ما الجديد. أترقب أي منشور جديد عن فلسطين ﻷشاركه وأتفاعل معه وأزيد ظهوره. وكان ذلك ما جعلني أسمع عن مجزرة مشفى الأهلي في الساعة الأولى من حدوثها. وبعدها، لم يعد حالي كما كان.
توتّر الأيام السابقة والغضب والإحباط والترقب والحزن، كل المشاعر تكثفت معًا وفقدت توازني بشكل حاد.
عندها أدركت أنني بحاجة لمساعدة حتى لا أمضي في النفق. وحددتُ موعدًا مع معالجتي النفسية، وكان ذلك قرارا صائبًا. النصائح التي أعطتني إياها رشا ساعدتني على التقاط أنفاسي واستعادة شيء من قواي النفسية، ومنحتني الطاقة ﻷستمر بما أقوم به. استأذنتها أن أكتبها هنا، وكلي علم بأن هناك مئات الآلاف ممن يحتاجونها اليوم، أمام الكم الهائل من الانتهاكات التي تحصل أمام أعيننا، والعجز شبه التام عن ردع ذلك، وتواطؤ الحكومات والإعلام. الضغط النفسي الذي نتعرض له كبير جدًا، ويتسبب بمشاكل صحية ونفسية حقيقية. فيما يلي تلخيصي لنصائح معالجتي:

  • لا تتعامل مع ما تراه على أنه قصير الأمد أو جولة ختامية، هذا الصراع طويل الأمد. (شعرت أنني كنت بحاجة لتذكيري بهذه الحقيقية ﻷكفّ عن الجري النفسيّ واللهاث، هذه ليست المعركة النهائية بيننا وبين الصهاينة، الصراع مستمر منذ عشرات السنين وسيستمر)
  • ذكّر نفسك بالمكاسب ( أمام بشاعة ما نراه لن نرى بشكل تلقائيّ أي مكسب، لكن التركيز على الخسارة لا ينقل صورة دقيقة لما يجري. العدو يخسر أيضَا، والأصوات الداعمة لفلسطين تزيد، وحقيقة ما يجري تتضح شيئًا فشيئا على رقعة أوسع)
  • قم بما تستطيع، ولا تقم بما لا تطيق (لا تشاهد مشاهد مؤلمة إن لم تكن بنفسية تسمح بذلك)
  • سامح نفسك على مشاعر التقصير
  • عبر عن مشاعرك أيًا كانت، لا تعشها لوحدك
  • انتبه لجسمك وردات فعله، واستجب ﻷي علامات إنذار يرسلها لك حتى لا تنهار أو تحترق
  • استغل تنوع سبل الدعم حتى تخفف شعور التقصير
  • تابع الأخبار بتقطع
  • تابع الأخبار بأنواعها المختلفة سماع، قراءة، مشاهدة، وليس فقط مشاهدة محتوى مصور.
  • لا تقرأ الأخبار في الساعة الأولى من الصباح، امنح نفسك ساعة لتستعدّ.
  • اشحن نفسك بالطاقة حتى تستطيع الاستمرار
  • اهتم بصحتك الجسدية والنفسية، تحرّك ومارس الرياضة، مارس تمارين التنفس والاسترخاء
  • لا تنجر لمعارك جانبية (مثلا حروب التعليقات المستفزة على وسائل التواصل)
  • استمر بخطوات دعمك الصغيرة، ولا تربط فائدة تحركاتك بأثرها على مستوى العالم، بل على مستواك الشخصي. التحركات صغيرة ولو لم تكن ذات أثر واضح على المجموع هي ذات أثر كبير لو قام بها الكثيرون.

بعد حواري مع معالجتي أشعر أنني اليوم أفضل، لذا حرصتُ على مشاركتكم هذه الملاحظات التي سجلتها خلال الجلسات، حتى لا نحترق نفسيًا جميعًا. لا يمكن ﻷشخاص محترقون نفسيًا أن يقدموا الدعم، وهو أمر يوليه الصهاينة أهمية كبرى بإخفاء حجم الهلع والخسارات الحقيقية في جانبهم.


أمر آخر أود الإشارة له، هو خطاب ينتشر عن استعذاب الأذى النفسي كتكفير عن التقصير، من أمثلته منشور قرأته عشرات المرات “… وتشعر أن راحتك خيانة، وسقف بيتك خيانة.. فتكاد من فرط عجزك ووجع قلبك أن تعتذر لهم عن بقائك على قيد الحياة”. وهذا ما لا يحتاجه أهل غزة اليوم ولا غدًا. ما حاجتهم بنا ضعافًا بكائين، نلطم خدنا ونلعن حظنا ونعتذر عن سقف يؤينا؟ الضحية يحتاج مجتمعًا داعمًا، صوتًا عاليًا، لا شخصًا لو قارناه بنفسية من هم تحت القصف لكانوا أقوى منه وأكثر أملًا.

عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ:

عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيَّدَةُ الأُرْضِ، أُمُّ البِدَايَاتِ أُمَّ النِّهَايَاتِ.

كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين. صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين.

محمود درويش

مصدر الصورة البارزة

رد واحد على “نصائح للحفاظ على الصحة النفسية أثناء دعم فلسطين”

  1. […] تدوينات عن جهودنا كأفراد في نشر الرواية الفلسطينية، وكيف نحافظ على اتزاننا النفسي أمام كل ما نراه. تدوينة قادمة على […]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *