خاتم فضّة

رغم نشوئي في وسط يسود فيه الذهب كحلية أساسية وتقليدية للنساء، كنت على الدوام محبة للفضة، الحلي الفضية بأنواعها، خواتم وعقود وسلاسل وأساور وحلق.. أحبها وأعجز عن مقاومة القطع المشغولة بتفنّنٍ منها.

كانت معي في الصفّ الأوّل زميلة تدعى لُجين.. كان اسمها غريبًا عن أسماء معظمنا، وأخبرتها المعلّمة أنّه يعني الفضّة. كانت الفضّة غريبةً عليّ غرابة اللجين، لكنّها لا بدّ أن تكون جميلة، فلجين جميلة أيضًا بمعطفها البرتقالي المميز.


لم أكن قد بلغتُ عمر العام بعد حينما حصلتُ على قطعتي الذهبية الأولى على شكل أقراط، لكنني ارتديتُ الفضة للمرّة اﻷولى في الجامعة! كان خاتمًا فضيا مرصعًا بالأحجار الملونة، أهدتني إياه أمي لتفوقي في إحدى المواد (وهو أمر قلّ حدوثه في سنوات دراستي الجامعية)

خاتم أمّي الفضي


قطعتي الفضّية الثانية كانت من شرائي في الفترة ذاتها تقريبا، من سوق الحرف اليدوية في الحلبوني، وهي المنطقة التي أتخيل أن أي فردوس سيكون ناقصا من دونها

سوق المهن اليدوية في دمشق – المصدر

في سوق الحرف اليدوية كنت أعاين ذلك الكم من الجمال متصافًا إلى جانب بعضه للمرة الأولى، بحثت بحثت، ببطء وتمعن واستمتاع، إلى أن وجدت خاتما تزينه حبتا كرز خضراوتان، الكرز عادة من مشتقات اللون الأحمر، لكنني أحببت خاتم الكرز الأخضر، دخلت على الفور واشتريته، وكان ثمنه حوالي ١٠ دولارات آنذاك.
تتالت السنين، ثورة وحرب، تخللها شوق وحب، تعرفت على نصفي الثاني وأهداني سوارًا فضيا مرصعًا بالزمرد يلائم خاتمي ذو الكرز الأخضر.

إلى اليوم، لا زالت الفضة تستهويني، ولا زلت أتفحّص رفوف المحلات وصفحات المتاجر الالكترونية بلهفة وشغف، وأخرج من مواقع بيع الاشياء المستعملة بـ”صفقات” فضية معتّقة أتزيّن بها وتملؤني حبورا.


أثناء ترتيبي لمنمناتي الفضية ذات الحكايا الممتدة على آلاف الكيلومترات والتي يعود بعضها لعشرات السنوات، فكّرت في سبب محبّتي لهذا المعدن الذي يشترك في لونه مع العديد من المعادن الأخرى: الألمنيوم والستانلس ستيل وغيرها من الخلائط.. لماذا أحبّ الفضة، وأهديها لنفسي ولمن حولي راجيةً أن يكون لها في قلوبهم مطرح؟


ظل السؤال يتردد في ذهني.. يتردد.. يتردد… وأنا ألاعب أصابع ابني الصغيرة بأهزوجة سورية تراثية تقول:
“يا باح يا باح… يا زهر التفاح.. يا إيدين حبيبي… الحلوين الملاح
إجا العصفور يتوضا.. لقى خاتم فضّة..
أخذه وراح..
هَي يد أم قاسم… وهَي لبّاسة الخاتم.. وهَي طويلة بلا غلّة.. وهَي بتلحس السمنة..
وهَي بتقول دب الليلة دب الليلة..”


ضحك ابني من دغدغتي فأضحكني.. وأنا أفكر بخاتم الفضة العتيق الذي أهدانيه العصفور منذ ثلاثة عقود.

رد واحد على “خاتم فضّة”

  1. […] مدينة أماسيا وبقينا فيها يومًا وليلة. اشتريتُ هناك خاتميّ فضة لي وﻷختي. وزرنا متاحف كثيرة، صعدنا القلعة الأثرية […]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *