مرّت معي تغريدة مميزة على تويتر منذ بضعة أيّام، تضم رابط موقع يعرض إطلالات نوافذ من أماكن مختلفة حول العالم، وهي فكرة راقتني وجعلتني أستمتع بالوقت الذي قضيته فيه، مما جعلني أعاود زيارته مرارًا. نوافذ تشعرك بالألفة، أخرى تعطي انطباعًا بالفراغ، مدن صاخبة، أخرى ساكنة، بيوت باردة، أخرى مفعمة بالحياة.
يتيح الموقع مشاركة إطلالة نافذتك في أيّ مكان كنتَ، وهو ما جعلني أفكر في إطلالات نوافذ غرفي على مدار السنين، واختلاف البيوت التي عشتُ فيها.
في منزل أهلي الذي قضيتُ فيه معظم عمري، كانت نافذة غرفتي تطلّ على “جنينة” داخلية، صحيحٌ أن منزلنا كان، خلافًا لما أحبّ وأتمنى، في الطابق الأرضيّ، إلا أن رؤية أغصان شجرة المشمش عندما كنتُ أستلقي على سريري أسفل النافذة كانت تسعدني وتمنحني حبورًا وسلامًا نفسيين، فأيّ شيء أجمل من أغصان خضراء يانعة تتقاطع مع سماء زرقاء؟
كانت شجرة المشمش صديقتنا في طفولتنا، كبرنا معها، ولم تكن بخيلة بثمارها الحلوة. ورغم أن حبات المشمش التي تتساقط ليلًا كانت تترك بقعًا دبقة على أرضية الجنينة تستلزم جهدًا إضافيًا لتنظيفها، إلا أن شجرة المشمش كانت محبوبة منا جميعًا، ومن قطط الحيّ التي كانت تتسلقها صعودًا ونزولًا لتتناول ما نتركه لها من طعام، ولتستريح على أغصانها التي تشبه حرف y.

بعد بداية الثورة السورية، اضطررتُ وعائلتي أن نغادر منزلنا مع إحدى الحملات العسكرية على مدينتنا، غبنا عن منزلنا شهورًا طويلة، لم نتناول المشمش، ولم نسقِ الشجرة، لكننا عدنا في الربيع ووجدناها بانتظارنا. لم تكن وحدها، فقد كان حولها العشرات من شجيرات المشمش الصغيرة، شجيرات المشمش تلك كانت قد نمت من بذور الثمار التي لم نأكلها وتساقطت، والتي تكفّل المطر بريّها فأنبتت.
اليوم، على بعد آلاف الكيلومترات، أتذكر إطلالة نافذة غرفتي.
أعرف أن شجرة المشمش قد يبست عقب خروجنا من البلاد وما تتالى عليها من قصف وأيام عصيبة لم تترك للطبيعة ولا للمطر فرصةً لإعادة الحياة إليها، إلا أنني كلما أغلقت عينيّ، أراها فوق رأسي كما كانت أبدًا، خضراء يانعة، محمّلة بالثمار الحلوة، فوق شبّاك غرفتي.

اترك تعليقاً