الساعة تجاوزت العاشرة والربع ليلًا، وهي الساعة التي لطالما ردّدتُ أنها الأجمل لديّ.
أجلس في المطبخ الذي انتهيت من ترتيبه وتنظيفه، على الطاولة كوب من الشاي الأخضر، أرتشف منه رشفات وأغمض عينيّ. نام صغيري منذ نصف ساعة تقريبًا، وأرغب في الكتابة لنفسي، ومع نفسي.
أحد الطقوس التي بتّ أختم بها يومي هما لعبتا wordle و worldle، الأولى لعب بالكلمات والثانية بالخرائط. بعد أن أكتشف الكلمة أمضي وقتًا أقرأ عنها في القاموس. وكذلك أمضي عدة دقائق أقرأ عن البلد الذي ظهرت خريطته في worldle.
منذ أيام كانت البلد هي ناورو، وصلتُ للحل بصعوبة وفي آخر محاولة، وﻷني لم أسمع بناورو من قبل، بحثت عنها وبدأت بالقراءة، وفوجئت بأنها تعتبر أصغر جمهورية، وثاني أصغر بلد في العالم من حيث عدد السكان بعد الفاتيكان، أما اسمها فقد يكون معناه “اذهب إلى الشاطئ” باللغة الناورونية.
تصفحت بعض الصور للجزيرة وبدأت بتخيل الحياة الجميلة فيها، وإن كنت مثلي تعتقد أن الجزيرة التي أطلق عليها جون فيرن Pleasant Island أو الجزيرة البهيّة ستكون سعيدة وهادئة وسط مياه المحيط الهادئ، بعيدًا عن السياسات والأطماع الخارجية، فأنت مخطئ للأسف.
إذ تتالت مراحل الاستعمار والانتداب على ناورو، وعانت من حرب أهلية، ومع اكتشاف الفوسفات على الجزيرة بدأ استغلال المخزون من قبل شركات أجنبية. في الستينات بعد نحو 60 عامًا من بدء التعدين بدأت الجزيرة تعاني من أضرار بيئية جسيمة “لدرجة أنه كان يُعتقد أن الجزيرة ستكون غير صالحة للسكن بحلول تسعينيات القرن العشرين“. بعدها ونتيجة مفاوضات كثيرة حصلت ناورو على استقلالها وأصبحت دولة ذاتية السيادة، وكان دخل عائد التعدين على عدد السكان القليل كبيرًا لدرجة جعلهتم من بين أغنى الشعوب في العالم بعد بضع سنوات من استقلالها، حيث كان دخل الفرد القومي يعادل 50 ألف دولار سنويًا في السبعينيات. لكن، نتيجة الفساد وسوء الإدارة، انحدر دخل الفرد القومي ليصبح حوالي 2500 دولار عام 2007 في جزيرة أصبحت لفترة ملاذًا لغسيل الأموال والتهرب الضريبي.
من أبرز المشكلات الحقوقية في ناورو هو مركز احتجاز لاجئي الحرب التابع لأستراليا في ناورو، والذي وصفت منظمة العفو الدولية ظروف اللاجئين فيه بالمرعبة.
لماذا كتبتُ عن ناورو؟ ﻷن انطباعي الأول عنها، عند مشاهدة موقعها على الخريطة وصور الأقمار الصناعية الخاصة بها وقراءة أنها من أصغر بلدان العالم، كان كانطباع جون فيرن، بالبهجة والمتعة التي يبعثها منظر الشمس والبحر والنخيل.
لكن قراءة المزيد أشعرتني بأن هناك الكثير مما يجري في هذا العالم ولا ندري عنه. هناك بلدان كاملة ترزح تحت الاستعمار والاستغلال والحروب ولا نعرف بوجودها. الأمر الذي كنا نستنكره كسوريين في سنوات ثورتنا الأولى، أن “أين العالم من المجازر التي ترتكب بحقنا؟”. الأمر الثاني هو أنني كلما قرأت في تاريخ القرن العشرين، وجدت مصائب ترتكبها الدول الغربية في الدول النامية، وهو ما يجعلني أفكر بمدى الرضا الأخلاقي الذي يمكن أن يشعر به المرء في دول العالم الأول، والتي وصلت لحضارتها الحالية بدماء وثروات بلدان أخرى، كناورو.
*ملاحظة: كل المعلومات الواردة في التدوينة مصدرها مقال ويكيبيديا عن ناورو
مصدر الصورة البارزة

اترك تعليقاً