هذه هي المرة الأولى التي أكتب بها فورًا على برنامج ووردبريس، بدل المفكرة.
لماذا؟ ﻷنني لا أريد أن أتردد، أو أن أشعر بمزيد من العطالة. ﻷن الكتابة على مدونة شخصية لا يجب أن تؤخذ بجدية بالغة.
هذه التدوينة مختلفة أيضًا بموضوعها،
منذ عشر سنوات تماما، 21/8/2013، الساعة تجاوزت الثانية ليلًا
كنت في بيت أهلي في الغوطة الشرقية في سوريا، مستلقية في سريري بعد السحور، كان الهدوء عامًا، والظلام دامسًا، وكنتُ على وشك النوم عندما بدأت أشعر بضيق تنفس.. شربت ماء، لم يتغير الأمر. أخبرت أمي، هناك شيء غريب في الجو.. الأكسجين قليل، لم يوافقني أحد.
بعدها بدقائق صدحت المآذن.. “ضربوا كيماوي.. اصعدوا للطوابق العلوية”
كنا نسكن في الطابق الأرضي، سارعنا بارتداء ملابسنا والصعود للأعلى مع وضع قماش مبلل على الفم والأنف. كان أخي مصابًا بقدمه، فساعدناه للصعود على الدرج، لا زلت أذكر مشهده متكئًا على كتف أمي في الظلام.
كانت الدنيا وكأنها القيامة، صياح في الشوارع، إطارات تحترق (فهمنا فيما بعد أن حرق الإطارات لتخفيف تأثير الغازات السامة)، والناس تهرع للأعلى، ولا احد يدري ماذا يحدث، لكن أنباء شفاهية تقول أن مجزرة كبيرة حلت نتيجة الضرب بمواد كيميائية، والوفيات كثيرة.
لا أذكر عددنا على وجه الدقة، لكن أذكر أن نساء البناء كنّ جميعًا في غرفة واحدة لا تتجاوز ال 15 متر مربع. بطبيعة الحال لم يكن هناك كهرباء فهي مقطوعة عن البلدة منذ أكثر من عام. كان الظلام عامًا، والمكان مغلقًا إذ حاولنا سد المنافذ جميعها، غرفة ضيقة تضم الكثير من النساء والأطفال، في حرّ آب، وبمنافذ مغلقة، مع عصفور الجيران. أثار ذلك حساسيتي التنفسية أكثر فأكثر وأتذكر كم كان التنفس صعبًا، لا أكسجين داخل الغرفة، ولا في الخارج.
الأعراض التي شعرنا بها كانت خفيفة نوعًا ما لبعدنا عن مركز التأثير، لكنني أتذكر حرقة العينين وغباشة الرؤية، وصعوبة التنفس، حيث عانيت منها أكثر من البقية بسبب حساسيتي التي ازدادت بعد التعرض للكيماوي بشكل كبير.
أذكر أنني كنتُ أنظر من خلف النافذة ورأيت دخانًا يتصاعد من حديقة الجيران المجاورة لحديقتنا. علمنا فيما بعد أن جارتنا الكبيرة بالعمر، لم تسمع التحذير بسبب ثقل سمعها، كانت تخبز على موقدها، لكن النار التي كانت مشتعلة أمامها حمتها من تأثير الغاز الكيماوي.
بعد طلوع الشمس نزلنا لمنازلنا، فتأثير الغاز يتلاشى مع ارتفاع درجات الحرارة.
لم نتبين حجم المجزرة إلا في النهار، تتوالى الأرقام ويزداد إحساسنا بمعجزة نجاتنا أمام المئات ممن قُتلوا نيامًا.
اليوم، هي الذكرى العاشرة لهذه المجزرة.
أيدي المجرم لا تزال طليقة.. وأيدينا طليقة أيضًا لنكتب ونذكّر ونحفظ ونوثق.
على أمل العدالة لأهالي الضحايا، في المستقبل القريب.

اترك تعليقاً