محاولاتي نحو هراء رقميّ أقل

أصعب ما في العودة إلى عمل ما بعد الانقطاع عنه هو كسر الصمت، العطالة، ومقاومة القوة الجاذبة في الاتجاه المعاكس، سواء أكانت بسبب خوفنا من النتائج السيئة أو الانقطاع مجددا، أو ببساطة الميل للراحة واللافعل.
لذا، ربما يكون من الجيد أن يسري بين الناس عُرف مفاده “لا تبرير عند العودة”، على مبدأ “لا سلام على الطعام”. ليتجرأ المتردد على العودة وكأن شيئًا لم يكن.
وسأطبق هذا الاقتراح على نفسي فورًا.


في الفترة الأخيرة بدأت البحث عن حلول لتقليل وقت الشاشة، أو على وجه أدقّ، لتقليل تتبع الهراء والتعرّض له ما استطعت.
النتيجة النهائية التي أرغب في الوصول لها يوما هي العودة لهاتفي الغبي، لكنّني وجدت أنني سأعقّد حياتي عليّ بشكل كبير حاليا، مع الحاجة اليومية على الأقل لتطبيقيّ الخرائط والترجمة في بلد لم أتقن لغته وجغرافيته بعد.


بدأت حملة التخفف بحذف عدد كبير من التطبيقات، وإخفاء ما هو مهم للهاتف لكنني لا أريد رؤيته في قائمة تطبيقاتي.
وكما يفوز انستغرام بعدد المستخدمين النشطين، يفوز لديّ كأكثر التطبيقات مضيعة للوقت ونشرا للهراء. لذا كان أول تطبيق حذفته.
لا يزال تطبيق Newpipe على هاتفي، ولا زلت أشاهد فيديوهات يوتيوب عبره، لكنني أحاول تقليل ذلك ومشاهدة ما أريده على شاشة التلفاز في غرفة الجلوس لأن ذلك سيخفف تلقائيا من وقتي.


بمجرد تطبيق هذه الخطوات بدأت أستشعر الملل والوقت المتاح لي. وبدأت يداي تفتحان الهاتف تلقائيًا لتصفحه، ولا شيء لتصفّحه. فما البدائل؟

1- للتسلية، قد يكون التلفاز – شرّير الأمس- أفضل من الهاتف، وأقصد هنا القنوات الفضائية، إذ غالبا ما ينال ما يُبث عبرها قدرًا -وإن يسيرًا- من الاهتمام والدراسة، ما يجعل المحتوى أكثر فائدة، أقل إدمانيّة. بدأنا مؤخرًا بتصفّح قنوات فضائية من مختلف البلاد العربية، وساعدنا ذلك على فهم أكبر للبلاد والناس، إضافة لمعرفتنا بأخبار محليّة تُهملها وكالات الأنباء عادة.


2- الهوايات، منحني ذلك وقتا أكبر للقراءة، الكتابة والرسم. أعترف أنني لم أصل لجعلها ممارسات يوميّة لكن الأهم أنني أخليت لها مساحة لتتحول لروتين يوميّ.


3- الحركة، في نفس الفترة أدخلت المشي بمسافات طويلة إلى يومي، ولعلّي أفرد لهذه التجربة تدوينة منفصلة.


4- الألعاب. بدأت البحث عن ألعاب تتحدى عقلي ولا تتطلب شاشة. من بين الألعاب التي أمارسها يوميا مكعب روبيكس، تعلّمت حلّه مع هذا الفيديو. لدينا في المنزل شطرنج ولعبة الأربعة تربح وهي نشاطات مسليّة لنا ولطفل في السابعة. تعرّفت كذلك على لعبة اسمها Rush Hour، وهي عبارة عن لوحة مع مجموعة سيارات، وبطاقات تظهر ترتيبات مختلفة للسيارات متفاوتة في الصعوبة، المهمّة دوما هي إخراج السيارة الحمراء من الزحام 🙂 اشتريت نسخة مصغّرة من اللعبة بحجم يمكن حمله في الجيب.
لدي على الهاتف لعبة واحدة أفتحها عبر المتصفح واسمها Nonograms ، كل عمود- سطر فيه مربعات سوداء متتالية بنفس الرقم المذكور أعلاه- جانبه. إذا ذُكر رقمان فهذا يعني أن بينهما فراغ على الأقل. أستمتع بلعبها بأبعاد 10*10 وأتحدى نفسي بالوقت اللازم لحلها.

عند بحثي عن بدائل وجدت أن هناك حركة تتّسع للاتجاه إلى التناظريّة (ترجمة لكلمة Analog أو analogue، والتي تترجم أيضًا إلى تماثلية وتشابهية، يذكر قاموس المورد الأكبر لمنير بعلبكي أن الكمبيوتر النظيري هو كمبيوتر تمثّل فيه المعطيات الرقمية بمتغيّرات فيزيائية)، يبدو أن التخمة الرقمية شعور عالميّ.

لا زلت أمضي وقتا على الشاشة، ولا زلت بعيدة عن هدفي، لكنني أردت مشاركة هذه التجربة غير المكتملة. سأسعد بقراءة تعليقاتكم إن كنتم قد مررتم بتجارب مشابهة أو كانت لديكم أيّة نصائح حول الموضوع.

ردان على “محاولاتي نحو هراء رقميّ أقل”

  1. الصورة الرمزية لـ فاطمة مالم
    فاطمة مالم

    لدي تجربة قريبة من تجربتك. وكان ما يشفط كل وقتي هو اليوتيوب. حتى قررت منذ شهرين حذف التطبيق. وبشكل مفاجئ! اصبح لدي كل الوقت في العالم لفعل ما اريد. حسنًا ربما ليس كل شيء.

    هذه التطبيقات مصممة لاعادة برمجتنا لنظل في الحلقة. والخروج منها يعتبر إنجاز في هذا العصر.

    هنيئًا لك.

  2. يا أهلًا وسهلًا!

    حبيت موضوع التدوينة، عندي ثلاثة أفكار صغيرة.. بما إنك ذكرتِ الألعاب، طحت على كتاب ألعاب ذهنية للكبار مؤخرًا وكل صفحة تحوي لعبة مختلفة، تحرك المخ وبنفس الوقت حلو شعور القلم والورقة

    العاب ذهنية للكبار جاريث مور – مكتبة جرير السعودية | مكتبة جرير https://share.google/FLSjid74bY6shsdd9

    وبما أنك ذكرتِ الرسم أيضا، في الفترة الأخيرة انتبهت إني كنت أتثاقل عن الرسم بسبب وجود توقعات.. لكن استوعبت إن تحريك اليد لحاله يكفي، وصرت أستمتع لما أرسم سكتشات سريعة من الحياة مباشرة بدل ما أدور مصدر أو فكرة.. تأمل الناس، الأشجار، المباني.. أو أي شيء يلفت الانتباه.. أنا أحس بعد ساعدني أني أحد من خيارات الميديم اللي أستخدمه، مثلًا أطلع بس بأربع أقلام.. اثنين خشبية وواحد باستيل وواحد رصاص.. والأقلام العريضة أفضل من الأقلام النحيفة في السكتشات السريعة..

    صديقي مثلًا يحب يستخدم دفتر بحجم الايد وقلمين ماركر بلونين مختلفين

    الفكرة الثالثة هي الراديو هههههه، شبيهة التلفزيون بعد غير إنها بس صوت، وأشوف حلو كون الخيارات محدودة ومبثوثة.. لأن أحيانا أحس حتى البودكاست يشتت..

    فكرة رابعة جتني وأنا أكتب، وهي الخروج للمجتمع ومشاركة الأنشطة مع الناس.. مثلًا ورش عمل فنية أو مجموعات رياضية.. أشياء بدون التزام كبير ولا ثقل اجتماعي مثل الالتقاء بالمعارف، وبنفس الوقت تعطي شعور الحياة الطبيعية ههههههه وبس والله، سعيدين بعودتك (:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *