قرأتُ العديد من الروايات الإيرانية سابقًا، روايات آذر نفيسي على رأسها، تحدثت فيها عن الثورة الاسلامية، وكيف تغيرت حياتهم، وحياتهنّ على وجه الخصوص, وكيف أصبحت فسحات الحياة تتضاءل مع تناقص الحرية الفردية. لك حرية واحدة يكفلها الدستور: أن تكون مثل ما يريد النظام القمعي. كانت تلك الروايات، والأخبار التي تنقل من حين لآخر تصاعد احتجاجات في إيران؛ كانوا مصادر الروايات غير الرسمية، التي تخبر عن شريحة مناهضة للنظام، تُبصر وتشعر بالقمع المطبق عليها، تهز يديها المكبلتين بالأصفاد، لتزعج سجّانها بصوت الأصفاد وإن لم تكن قادرة على كسرها.
أقول أنني قرأت روايات إيرانية، وتعاطفت مع شعبها تعاطفي مع الشعوب المقموعة الثائرة على أنظمة تغلغلت في بلادها وتوغلت. لكن قصة مهسا كانت مختلفة.
لم تكن هناك مساواة بيني وبين إخوتي الذكور في المنزل، لم يكن التعامل بيننا عادلًا يومًا، لكنني كنتُ راضية بما “مُنح” لي، ولم أشعر بظلم كبير، ﻷنني كنتُ أصغر من الحدود المرسومة حولي.
بدأت أكبر، وبدأت الحدود المحيطة بي تعيقني، وكلما كبرت أكثر، كان السقف المحدد لي يجعلني أحني رأسي بشكل أكبر.
قرارات كثيرة أُثنيت عن اتخاذها، الكثير منها باسم الدين والعرف والخوف والمجتمع ﻷنني فتاة، أو ﻷنه “ما بيصير”، أو “حرام”، أو “مكروه”، أو “شو بيحكوا علينا الناس؟”
سمحت لي الأوقات التي أمضيتها في الجامعة بحدود أكبر، التقيت بصديقات مختلفات، الكثير من النقاشات والكتب المتبادلة التي بدأت تشكّلني. كان الفرع الذي أدرسه صعبًا مقيتًا لا أحبه، أغلق في وجهي كل أبواب الطموح، لكن لقاءات الجامعة تلك والهروب إلى الكتب كانت تنضجني وتفتح عيني، وتبدّلني.
وكما أنضجتني الجامعة، سما بي الحب وفتح لي عوالم وسماوات، وحررني. وكنتُ كلما نضجت، ضاق قفصي بي أكثر، وأحكمت أسرتي إغلاقه عليّ أكثر، ﻷنني “متغيرة” ، أو ﻷن “ممشاكِ لا يعجبني”.
تزوجت، لكن خروجي من القفص كان ظاهريا فقط، اذ استمر خوفي من اهلي. تظاهرتُ طويلًا أمام أهلي وكذبتُ، لبستُ قناع واحدة أخرى لا تشبهني ﻷكثر من عشر سنوات، وكنتُ أتجهز قبل كل لقاء معهم ﻷتشبّه بهم، ﻷقلل الملاحظات التي ستوجه إلي، حتى لا أغضبهم، حتى يحبونني.
العام الفائت، ضقتُ ذرعًا بوجوهي، خنقتني أقنعتي التي أخفي تحتها وجهًا نسيته، ضقت ذرعًا بالكذب وانفصام الشخصية الذي أعيشه، واللقاءات التي كانت على حساب أعصابي. بعد كل لقاء مع أهلي كنتُ أبكي بحرقة، أبكي ﻷنني التقيتهم، ولم يلتقوا بي. كان ذلك الإرهاق النفسي سببًا للتردد على معالجة نفسية، كانت من الاشخاص القلائل الذين رؤوا وجهي الحقيقي دون تزييف.
بصعوبة، وبحلق جاف، خلعتُ قناعي.
كنتُ سعيدة بوجهي الحقيقيّ يظهر للجميع ﻷول مرة، لكنه لم يعجبهم. طيلة السنوات الماضية كانوا يحبون القناع، فلما زال، زالت المحبة.
كانت ردود الأفعال قاسية للغاية، تهديدات و”تشبيح”، مقاطعة، وتخلٍّ.
لهذا آلمتني يا مهسا… لهذا أثرتِ بي
منذ انتفاضة الأقصى ومرورًا بثورات الربيع العربي، وأنا متعلقة بالإنسان ومدافعة عن حقوقه – ذكرًا وأنثى
لكنني سأنحاز اليوم، اليوم فقط، لك يا مهسا، ولكل امرأة أخرى تُحرم من حقوقها كإنسان، مرة باسم الدين ومرة باسم المجتمع ومرة باسم الرجل الذي يملك زمام حياتها كلها. كم من نساء أعرفهن مثلك يا مهسا؟ الكثيرات، ولكل منهن مأساتها، وظلم لاحق بها، وقناع مفروض عليها، وأخ أكبر يخشى أن تتنفس هواء نقيًا فيعجبها وتدمنه.
هناك مهسا طلقها زوجها وهي في عمر الستين حتى لا ترثه، ووجدت نفسها فجأة فقيرة بدون بيت أو معيل ﻷنها تزوجت وهي قاصر، فلم تحصل علمًا أو عملًا تعيل نفسها منه.
مهسا أخرى تتعرض للضرب يوميًا من زوجها، وتهدّد بحرمانها من أبنائها إن هي طلبت الطلاق، تهديد مصحوب بتسليم تام من أهلها لصهرهم، ﻷن الطلاق عار.
ومهسا أخرى أُجبرت على الحمل لتتخلى عن مشاريعها وأحلامها وتلتفت لعائلتها
ومهسا.. قُتلت ﻷنها لم ترتدِ الحجاب “بطريقة سليمة”
اليوم أنحاز لك يا مهسا
ﻷنني لو كنتُ مكانك لقُتلت مثلك
وﻷنك لو كنت مكاني.. ﻷُقصيت مثلي..
أنا مهسا
وأنت حنين.

اترك تعليقاً