لمن ننتمي؟

أزمة هوية حقيقية أمر بها، ويمر بها الكثيرون في هذه الأيام العصيبة من التاريخ. ما يجري في فلسطين نكأ جراحًا لم تندمل، ولعل تكميم الأفواه ودعم الإجرام الإسرائيلي من قبل الدول الغربية كان الخيبة الكبرى بالنسبة للكثيرين.
لعقود، مثّل الغرب وجهةً للكثير ممن يبحثون عن جودة حياة أعلى، وسقف حريات مرتفع، وسيادة للقانون، وحقوق للإنسان. ازداد الأمر وضوحًا مع ثورات الربيع العربي والتنكيل الذي تعرضت له شعوب المنطقة، وشكلت أوروبا وجهة لجوء أساسية لمن أُخرجوا من بلاد لم تستطع الثورات تحسين شروط العيش فيها، فوجدوا في الغرب شيئًا مما كانوا يطمحون تحقيقه في بلادهم.
لكن ديكتاتوريّي بلداننا العربية لم يقصونا عنها فقط، بل نفّروا أجيالًا كاملة منها بالحال التي أوصلوها لها، فباتت صورتها في أذهاننا مزارع ديكتاتورية بلا قيمة للإنسان، بدم مسفوك، وحقوق منهوبة، ورأيٍ معتقل، وسلطة للأجنبي. في المقابل، كانت البلدان الغربية بحضارتها والحقوق فيها، وفرص النمو والعمل. وكلتا الصورتين مجحفة ومنقوصة.


حرب غزة أرتنا الوجه الآخر للقمر، وكان الأمر مؤلمًا بحق. فالإجرام الإسرائيلي متوقع ولم يتوقف منذ عقود، لكن مال بلاد الحريات تكمم الأفواه؟ وما بال بلاد حقوق الإنسان تغض الطرف عن انتهاك حقوق الإنسان (بل وتدعمه)؟
هذا التحيز السافر للقتلة أيقظ الكثيرين، وأعاد للواجهة حجم غربتنا، والاختلاف عن هذه البلاد. سنوات من محاولات إيجاد أوجه التشابه مع بلدان اللجوء المضيفة وقيمها، وجهود التأقلم معها، زلزلتها حرب غزة، وأظهرت أن التشابه ضئيل وخارجي، وأن الاختلافات عميقة وجذرية، وأن صورتها البراقة في مخيلتنا، في مخيلتنا.
ونفور سنوات من بلداننا العربية، بينت حرب غزة أنه سطحي، وأنه عتب المحب لبلاد أُقصي عنها، وكان آخر عهده بها حرب ودمار وقتل وتنكيل. وتحت هذا العتب، بان الشوق والحب، وكان الوطن الحقيقي الذي نبحث عنه في كل مكان ولا نجده.
الاختلافات بيننا وبين بلداننا وثقافاتنا لا تعني أن نُنفى منها، ولا أن نُسلب حق الانتماء لها. ورغم غربتنا الفكرية فيها، لكن أوجه تشابهنا مع ثقافتها وتاريخها ولافتاتها وشوارعها ولغتها وهمومها وأغانيها، أعمق بكثير.
هذه التدوينة هي محاولة للطبطبة على كتف كل من يشعر أن العالم اليوم يضيق به، وأنه لا مكان له فيه. لا يا صديقي، لديك وطن يشبهك أكثر مما تتخيل، لكنه محتلّ من حكومات تشوّهه في أنظارنا كل يوم.

رد واحد على “لمن ننتمي؟”

  1. […] لدي. هذا العام كان استثناءًا، مع الإبادة في غزة، وكل مشاكل الانتماء وأزمات الهوية التي صعدت للسطح، لم أشعر أنني أشبه عالم أشجار الميلاد. […]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *