رفقًا بالخيول المتعبة

مر زمن على آخر تدوينة لي، والسبب أنه وببساطة خلص الحكي. اليوم، ما يجري في سوريا أعاد الحكي مجددًا.. أعاده بكثرة. أعاد الآمال والأحلام، كانت الرؤية ضبابية مشوّشة، فجعلها أقرب.. أكثر وضوحًا
وتذبذبت خطواتنا تيهًا بين دروب كثيرة.. لا تشبهنا.. ولا تفهمنا..ولا ذاكرة فيها لأقدامنا.. فعادت إبرة البوصلة مشيرة إلى وجهة بعيدة جدًا.. وقريبة للغاية

ما يجري في سوريا جعلني أدرك كم نحن عطشى.. كم نحن مشتاقون.. وكم نحن غرباء
ما يجري جعلني أدرك حجم الظلم الذي أنزل على عاتق السوريين ولا زالوا يحملونه أنة بأنة..
ظلم القتل وظلم الاعتقال وظلم النزوح وظلم التهجير وظلم الغربة وظلم الفقر وظلم النهب وظلم الرعب… وظلم الروعات التي لازلنا نحملها بين جنبينا، فننام نحن وتستيقظ هي.
كان خروجنا من تركيا غربة جديدة – وكأن غربة واحدة لا تكفي، وبشكل خاص على تيم. فمنذ وصولنا، صار يشدّد على الكلام بالعربية فقط في المنزل، وبدأ يعزف على وتر العودة، ليس إلى تركيا.. بل إلى سوريا التي لا يعرفها إلا من أحاديثنا وذكرياتنا “أمي.. كان يجب أن نعود إلى سوريا لا أن نأتي إلى ألمانيا” “عندما أكبر سأذهب للعمل في سوريا” “أمي.. أشعر بالخجل في روضتي، أنا لا أفهم ما يقوله الآخرون” “أمي.. لماذا لسنا اصحاب بيتنا؟ لماذا كل بيوتنا ملك لآخرين؟”
بعمرك يا تيم لم أكن أعرف أن في العالم لغةً سوى ما أنطق، وكانت مزرعتنا في رنكوس هي حدود العالم بالنسبة لي، وكان أكبر همي إن كُسرت ذراع دميتي أو سرقت ابنة الجيران أحد مقتنياتي، وكان بيت جدي راحي ومستراحي، وكان معنى البيت وموقعه وجيرانه مثل اسم أبي.. ثوابت لا تتغير، وكان الشتات كلّه أن تغيّر أمي توزيع غرف المنزل عليّ وعلى إخوتي.
لكنك يا ابن الغربة نلت نصيبك من وجعنا، وصارت تغريبتنا صبغة حياتك وهمومك ولحظات صمتك.. وتساؤلاتك الكبيرة التي تربكني كل يوم،
تخشى عقبات تخريب أثاث منزل ليس لنا… ولا تعرف من بيت جدك إلا ما تريه لك شاشة بحجم الكف، وبما تجود به شبكة الانترنت من صورة رديئة الجودة، لترى غرفة عمّك الذي لا تعرفه ولا يعرفك.

اليوم يا تيم… أنت تنتظر معنا، ونحن ننتظر معك ولأجلك
ننتظر لحظة نقول فيها “هرمنا” بعد أن هرمنا
لحظة يشفي الله بها صدور قوم تعبوا حتى اشتبه الدرب في ناظرهم
لحظة نبكي كل تعب السنين.. بكاء فرج وصعداء نفَس حبيس سنوات
ننتظر أن يسقط النظام الذي سلب حيواتنا وحرياتنا وأراضينا وأرواح أحبابنا
أن نعود لشوارعنا وبيوتنا.. لذاكرتنا وماضينا.. لمستقبلنا المشوّش المبهم
أن نزور قبور شهدائنا
أن نعرف مصير معتقلينا.. يقينًا لا رقمًا على ورقة من الشرطة العسكرية..
أن نشعر بأن وجع السنوات.. كان يستحق
بأن كل الثمن الذي دفعناه مقدّما.. قد أثمر لنا وطنا

ننتظر يومًا سيأتي.. أقسم لك..
وسنعود.. وسيطرب الدرب بوقع خطانا.. عند الإياب..

من برلين – مؤقتًا.. هنا دمشق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *