فوضى كبيرة في السجن، تسللتُ خلسة، أخفيتُك خلف ظهري وخرجنا.. مررتُ بدهاليز يركض فيها جنود بهستيرية، لم ينتبهوا لك خلفي مع أنك أطول مني.. خرجنا من باب جانبي بعيدًا عن عيونهم. كنتَ متعبًا وجائعًا، لكنني حرّرتُك أخيرًا. لو تعلم كم تكررت رؤيتي لهذا المنام، في كل مرة كنتُ أستيقظ فأجد نفسي في سريري.. في تركيا.. بعيدة آلاف الكيلومترات عنك. في كل مرة كان إحباطي يزيد، لكن الحلم لم يتوقف.
لم نسمع شيئًا عنك بعد أشهر من اعتقالك، كان السؤال محرّمًا، وكنّا محاصرين في الغوطة الشرقية. بعدها، بدأنا بالسؤال سرًّا “شاهدتُه في فرع الخطيب وكان بخير ومعنويات عالية”.. “شاهده أحدهم في صيدنايا وكان مريضًا”.. إلى أن أخبرنا شخص عام 2014 بمعرفته بمحام ذو علاقات وصلات بالنظام، ويمكنه أن يأتينا بخبر، المبلغ الذي طلبه كان يزيد عن مئة ألف دولار، فلم تتم العملية.
في صيف 2014 خرجنا من الحصار، وبدأنا البحث عنك، بحذر وخوف. في بداية نوفمبر 2014، ذهبت مع أمي إلى الشرطة العسكرية في القابون، كان ذلك مخاطرة كبيرة، عاملنا عناصر الأمن باحتقار عندما فتّشوا هوياتنا ووجدوا أننا من دوما، وسألونا عن صلتنا بالعصابات المسلحة. بعد دقائق من حرق الأعصاب دخلنا لمركز الشرطة. بعد سؤالنا عن الاسم والمواليد وتاريخ الاختفاء، بحث الضابط هناك في سجلات كثيرة، ثم أعطانا ببرود قصاصة ورق لونها زهري وعليها تاريخ، يقول أنه تاريخ وفاتك، صيف 2013.
خرجنا من المركز والأرض تموج بنا، كان يجب أن نتمالك أنفسنا لنتجاوز حاجز الأمن أمام المركز، حاولنا أن نتصنع الابتسام أمامهم.. تعكّزنا على بعضنا حتى سيارة الأجرة، وهناك انهرنا بكاء. كان السائق أبو خليل يعرفنا ونأمنه، وأخذ يحاول التخفيف عنا أثناء عودتنا إلى بيت نزوحنا في حفير التحتا. كان أبو خليل ينبهنا قبل كل حاجز نقترب منه لنمسح دموعنا ونجمّد ملامح وجهنا. أية إشارة غير طبيعية على وجوهنا كانت ستعرضنا للمساءلة والخطر.
وصلنا إلى حفير، أخبرنا أبي وإخوتي.. وقرر أهلي الفرار من سوريا على الفور، لحماية بقية إخوتي.
لم نستطع أن نبكيك براحتنا، لم نفتح لك بيت عزاء، ولم نعرف قبرك. خرج أهلي من سوريا وتبعتهم بعدها بشهرين، وبقيت تتردد عليّ في حلمي، أخرجك من السجن كل ليلة، فتعود له صباحًأ.. كلعنة لا تتوقف.
كم بحثتُ عنك عبر الإنترنت، في صور البقايا البشرية في تسريبات قيصر.. لازلت أذكر ابتسامته.. شهيد يشبهك كثيرًا.. كثيرًا يا محمد.. لكن الشعر الكثيف بين حاجبيه جعلني أنفي أنه أنت.
هل تعلم أن أمي لا تدعو لك بالرحمة؟ لا تزال تنكر أنك توفيت.. كلما أتت على سيرتك تقول “كان محمد الله ييسر له”.. لا تعلم أن الرحمة واجبة على الأحياء في أقبية السجون أكثر من وجوبها على الأموات.
في غيابك، حرر الثوار الغوطة الشرقية، نزحنا، حوصرنا، ضربنا النظام بالكيماوي، خرجنا من الحصار ومن سوريا، واستمر إجرام النظام. استعاد النظام معظم الأراضي المحررة، وبدت الأمور ستبقى لمصلحة النظام للأبد، للأبد كما كان الأسد دومًا يريد.
لو تعلم ماذا حدث منذ أسبوعين يا محمد! كل شيء تغيّر بسرعة رهيبة، بلحظة واحدة، انقلبت موازين القوى، وتحرك السكون الذي دام لسنوات، وبدأت عملية أسموها “ردع العدوان”، استعاد فيها الثوار حلب. كنا مدهوشين نتابع الأخبار ولا نصدّقها عندما حرروا سجناء حلب. وهنا.. هنا تحديدًا، تجرأت على الحلم.. أن ألقاك!
قبلها بيومين تحديدًا، كنت قد رأيتك في منامي محررًا، وكنت أصنع لك الطعام، قلت لك باستسلام “كل مرة تزورني أكتشف أنه حلم”، فأخبرتني “لكنها حقيقة هذه المرة”. هل هناك إشارة أوضح أنك قد تكون حيًا لا تزال؟ بعض ممن خرجوا من سجن حلب كانوا قد غيّبوا عن أهلهم عشر سنوات، وأبلغ النظام أنهم قد توفوا.. فلماذا لا يكون الحال كذلك معك؟
كلما حرّر الثوار بلدة جديدة، كان الأمل ينمو داخلي كشجيرة تين.. أبكي مع أهالي المعتقلين عند لقائهم وأنا أراك فيهم، وأراني فيهنّ.. وأتساءل.. هل سألقاك؟
كانت معارك حماة مفصلية، وصعبة جدًا.. كنت متسمّرة على هاتفي أقرأ الرسائل كل دقيقة، أتفقد هل حرروها؟ هل سيحرروك بعدها؟
بعد حماة بات المشهد أكثر وضوحًا.. الهدف إذن حمص، وبعدها دمشق.. دمشق بالنسبة لي تعني صيدنايا، كل دمشق هي صيدنايا.. وصيدنايا هي أنت. ومع كل كيلو متر يتقدمه الثوار، ينقص نومي ويزيد شوقي.. نمت شجرة التين داخلي حتى تفرّعت.. حاولت ألا أجعلها تنمو.. حاولت لكنني لم أستطع! كنتُ وشجرة التين ومصطفى – زميلي في العمل وفي الأمل – نسهر الليل نراقب التطورات، وأعيننا على المثلث.. على صيدنايا.
ليلة 8 ديسمبر عام 2024 (نسيت أن أخبرك أننا في عام 2024)، كان كل شيء يقول أن الليلة هي ما ننتظره.. جلستُ وحاسبي أمامي، وهاتفي بيدي، والتلفاز مفتوح على قناة التلفزيون السوري التي كانت تبثّ لقطات عن فوائد نبات الريحان، مع شريط إخباريّ يحذّر الناس من الشائعات ويعدد ما غنمه جيش النظام من العصابات الإرهابية – أي نحن (أجل، لا زال تلفزيون النظام بنفس الانفصال عن الواقع واستسخاف المشاهد).
الساعة الثانية ليلًا بتوقيت برلين (نسيت أن أخبرك أننا انتقلنا لبرلين منذ 5 أشهر تقريبًا)، بدأ إطلاق النار على سجن صيدنايا قبل تحرير العاصمة دمشق، ووقتها، عرفتُ معنى جديدًا للبكاء. كنتُ أنشج طول الليل، توالت الأخبار “لم يوافقوا على تسليم المعتقلين” … “إطلاق نار” “وافقوا”.. كل خبر يزيد وتيرة وكثافة دمعي أكثر، وأنا أتخيلك في زنزانة تحت الأرض.. تسمع صوت رصاص بعيد، ولا تعرف ما الذي يجري.. تراك هل خفت من الرصاص وظننته إعدامات ميدانية؟ أم علمت أنه تحرير قريب؟ هل انتظرت هذه اللحظة؟ هل تركوا داخلك مجالًا للأمل لتحلم بها؟
كان كل عقلي سيناريوهات، يتخيل الأصوات من الداخل، الاضطراب من قبل السجانين وتساؤلات المساجين عن حركاتهم، أصوات الرصاص والاشتباكات، الهدوء بعد انسحاب السجانين، ركض الثوار في الممرات يبحثون عنكم، ذهولكم مما يجري، عدم تصديقكم لما يقولون بأنهم سيحررونكم، ثم طرقكم على الأبواب من الداخل تستعجلونهم الحرية..
بدأت مقاطع الفيديو تظهر خروج دفعات مساجين صيدنايا في الظلام.. كانوا هزيلين جدًا.. متعبين جدًا.. غير مصدقين.. الظلام يلفّهم، يمشون بأقدام حافية وببطء يشي بضعفهم وأمراضهم المزمنة.. وقروح أقدامهم..
تخيّلت شعور ملامسة برد الشارع لأقدامهم أول مرة.. تخيلت كم يستلذون بملامسة التراب والرمل.. واستنشاق الهواء، وسماع الأصوات.. للمرة الأولى
ورأيتك يا محمد.. رأيتك في كل واحد منهم.. كنت أبحث عنك من وراء دموعي.. أوقف الفيديوهات مراراً كلما ظهر وجه… أحاول أن أطابق قسرًا ملامحه مع وجهك.. أحاول أن أتخيل كيف سيكون شكلك بعد 12 عامًا وشهر و11 يومًا.. لابد أنك تغيّرت كثيرًا.. لكنني سأعرفك.. أنا متأكدة. وزعت صورتك واسمك على أصدقائي.. إن رأيتموه أخبروني.
قضيت الليل أبحث عنك في وجوههم المتعبة.. في عيونهم الذاهلة.. في أجسادهم النحيلة.. لم أجدك، ولم أفقد الأمل.
بعدها بدقائق سقط النظام.. لم أصدق… هي لحظة لطالما تخيلتها وعشت لأجلها، فلما أتت لم أصدقها.. بدأت أتصل بكل أصدقائي أوقظهم.. الساعة الرابعة صباحًا لكنني لا آبه.. كم مرة يسقط النظام في عمر المرء؟ اتصلت بهم لنبكي، لم نتحدث كلمة ولكننا بكينا معًا.. كما وقع الظلم والقمع والتهجير والقتل علينا معًا.
في ساحات برلين، خرجنا لنتظاهر، لنحتفل.. لم أكن قد نمت ليلتها إلا قليلًا، لكنني لا آبه.. كنت أقفز وأصرخ وأصيح وأهتف، وكأن جسدي قد ادّخر طاقة 14 عامًا لأجل هذا اليوم وحده.. ناديتك بين الجموع، غنيت لك “سكابا يا دموع العين سكابا.. على شهداء سوريا وشبابا ” وزغردت لك عندما صاح الساروت “شهيدنا ما مات.. زغردن له يا بنات” .. زغردت لك فرددت ورائي كل النساء.. هل سمعتنا؟
عدت للمنزل لأتابع أخبار السجون.. وأبحث في أسماء المحررين وصورهم. اشتركت في مجموعات كثيرة لأهالي المعتقلين، امتلأ معرض هاتفي بصور شباب وأطفال ونساء ورجال، كم يشبهونك! كم تشبههم! بحثت عن اسمك في قوائم المحررين.. لم أجدك.. لكنني شككت بنظري وبالخطّ الرديء الذي كتبت به وبأنني لا بد فوّتُ اسمك. بعدها بحثت عن اسمك في منصّات مخصصة للبحث عن محررين.. كلما كتبت “محمد زياد كبريته” خرجت رسالة تقول.. لا توجد نتائج.. لكنني لعنت كذبها في كل مرة.
كنا جميعًا نستجدي إشاعة تطيل عمر الأمل فينا عندما صاح أحدهم “هناك سجن من ثلاث طوابق تحت سجن صيدنايا، فيه أكثر من 150 ألف معتقل. لكن أبوابه مشفّرة ومكانها غير معروف.. واسمه السجن الأحمر” هللّت واهتزت شجرة التين في داخلي، لا بد أنك في السجن الأحمر! كنت أنانية… لم أفكر ما يعنيه ذلك من أنك تعيش تحت الأرض لمدة 12 عامًا.. وأن ذلك أكثر موتًا من الموت، لكنني تأملت أن تكون هناك. وبدأت المتابعة المحمومة لأخبار السجن الأحمر والسجون السرية، تحرّيت الإشاعات أكثر من الأخبار لأنها وحدها كانت تسقي الأمل داخلي. “لم نعثر على شيء ” “الباب خلف الفرن في المطبخ” “الباب في الطابق الثاني” “الباب عند ساحة المشانق” “الباب خلف المكبس” “الباب من طريق المحرقة”، تجاهلت هول هذه الأسماء كلها.. وتعلّقت في باب سريّ أتخيله مفتوحًا وتخرج منه.
بعد يومين.. أعلن الدفاع المدني أنهم انتهوا من البحث في صيدنايا، ولم يعثروا على أية مؤشرات لوجود سجن سريّ أو بشر في المكان. لكن.. لا لكن.. البحث انتهى.. حفر الدفاع المدني أرض السجن والساحات والمطبخ، بحثوا في كل المخططات التي رسمها سجناء، أحضروا كلابا مدربة وأدوات مسح.. استعانوا بسجّانين سابقين في صيدنايا.. لم يعثروا على أحد.. لم يعثروا عليك.
لكن عدد المحررين لا يمثل ربع عدد المعتقلين في السجون.. ” أنا آسف.. معظم من في سجون النظام تمت تصفيتهم بالفعل” قال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان باكيًا. لم أيأس، لا دليل أنك قد قُتلت، لا بد أنك في مكان ما. تحدثت مع مصطفى، مصطفى يبحث أيضًا عن أخيه عماد، اتفقنا أن يرسل أشخاصا للسجن ليصوّروا لنا تقارير الإعدام. كان هذا أملنا الأخير في معرفة مصيريكما. صباح اليوم، أرسل لي مصطفى يخبرني أن كل الوثائق والمستندات قد أتلفت بفعل الفوضى “ما بقي شي.. الله يرحمهم يا حنين” قال مصطفى معلنًا ما كنت أعرفه وأتجاهله طول الوقت.
وكما توقف الدفاع المدني عن البحث، توققت. سلّمت واستسلمت أنك لست بينهم، خرجت من مجموعات أهالي المعتقلين والمحررين… حذفت صور المعتقلين المتشابهة من هاتفي، وأبقيت صورتك وحدك، واكتشفت أنك لا تشبههم.
أكتب لك الآن لأرثيك، وأعزي نفسي فيك، وأعترف بأنهم قتلوك في صيف 2013.. أثناء الإضراب الذي سمعنا عنه في سجن صيدنايا بين السجناء، نعم، الإضراب يشبهك أكثر، يشبه صمتك المتمرّد مذ كنت صغيرًا.
أكتب لك الآن لأقفل صفحة البحث عنك فوق الأرض، لأحرر نفسي من السجون التي اعتقلتني .. أنا كنتُ معتقلة معك يا أخي، طيلة 12 عامًا، هل شعرت بي؟
من أقدم الذكريات لك في مخيلتي عندما كنتُ في الصف الأول وكنتَ أنت في الصف الرابع، كأي أخٍ أكبر، المسؤول عن توصيلي إلى باب مدرستي قبل الذهاب إلى مدرستك. يدي تمسك يدك الباردة والجافة، وأستشعر الثألولة التي كانت تزعجني في يدك. كنت أنتظرك في نهاية الدوام بثقة بين الجموع أمام مدرستي، كنت تأتي على الدوام، لم تخذلني يومًا.
اليوم، خذلتني يا محمد.. انتظرتك طويلًا ولم تأت…. لم تكن هناك أصلًا.
وداعًا محمد.

بيت عزاء لك
5 ردود على “بيت عزاء لك”
-
حزنك كتب بقلمك الذي ارتوى من دموع كل بيت انتظر غائبا ثم سلم أمره لله يائسا من أمل عاش منتظره سنين طويلة
أخي الغالي يسر الله أمره حيث كان في ودائع الرحمن .. تغمده الله بسكينة تحف قلبه و قلوبنا المنفطرة عليه-
رحمهم الله جميعا.. عزاؤنا أن الهدف الذي ثاروا لأجله تحقق، وأن هذه الحقبة السوداء ولت إلى غير رجعة.
-
-
…………………
-
وداعاً أخي البطل الجنرال الشهيد بإذن الله، حتى أنا لم أصدق وفاتك طيلة هذه المدة وقلبي يكذب كل هذه القصص وكنت أنتظر البشرى بأن تكون بخير وترجع لنا سالماً معافى ، حتى اللحظة الأخيرة أتابع الأخبار وأبحث عن اسمك الذي هو مخلّد في قلبي دائماً أبداً .. وداعاً أيها البطل كنتم خير الأخ وخير الصديق ، سامحني يا أخي سامحني ياغالي سامحني يا ابوعلي فو الله وددت أن أفديك بروحي يا أخي أو انصرك من أول يوم غبت فيها عنا
سامحني ياجنرال وعزاؤنا بأنك فزت بإذن الله تعالى وتقبلك الله شهيداً بإذن الله ، فو الله منذ أن عرفتك مارأيت منك إلا الخير ولن يخزيك الله يا أخي لا في الدنيا ولا في الآخرة بإذنه تعالى.
بقلوب مليئة بقضاء الله وقدره أتقدم إليكم بأحر التعازي وإلى العائلة الكريمة وإلى جيمع أصدقاء وأحباب الغالي ، أحسن الله عزاءنا جميعاً وجبر مصابنا وألهمنا الصبر والرضا بقضاء الله وقدره.
اللهم لا نزكيه عليك، ولكنا نحسبه أنه آمن وعمل صالحاً، فاجعل له جنتين ذواتى أفنان، اللهم أنزله منازل الشهداء واجعل عيشه في قبره عيش السعداء واجعله في الجنة مرافقاً للأنبياء
إنا لله وإنا اليه راجعون -
ٱمين.. شكر الله سعيكم
اترك تعليقاً