شاهدة

“متى يعود أبي؟ ماذا أقول لأطفالي؟ ألم يحن الوقت لإطلاق سراحهم؟” قرأت هذه الأسئلة على العشرات من الأغلفة الداخلية لأعداد مجلة العربي وأنا طفلة، لم أكن أفهم ماذا تعني هذه الرسوم الحزينة بالأصفر والأبيض والأسود، ولا المكان الذي ينتظر الأطفال آباءهم للعودة منه، ولا لماذا كانت هذه الرسوم تتكرر كل عدد، دون ملل، ولا يأس. لكنني الآن أفهم ذلك كله، وأفهم الشق الأصعب فيه: اللا يقين، والأمل الكاذب.

لو توفّي أي شخص بظروف طبيعية، ولو بشكل مفاجئ، لمارست عائلته الحزن عليه، فتحت له عزاء ثلاثة أيام، وحفرت له قبرًا، على القبر شاهدة تشهد أنه كان فوق الأرض بعد تاريخ محدد، وصار تحتها في تاريخ آخر. ستبكي عائلته فراقه كثيرا، وستبكيه في كل سنوية، وفي كل مناسبة تفتقد وجوده بها، لكنها لن تتوهم يومًا وجوده، فشاهدة القبر هناك، لا لبس فيما تقوله.
أما في حالة الاعتقال، فالبكاء يبدأ ولا ينتهي. كما يفتقد التغييب القسري تاريخ نهاية.

في التغييب القسري هناك ما يشبه الاعتداء على الحكاية. كنا تسعة إخوة، شخصياتنا متباينة، حيواتنا مختلفة لكنها تلتقي وتتشابك. وُلدنا جميعًا وأمسكنا كرة الصوف في المنزل نفسه، وبدأ كل واحد فينا قصته الخاصة، التي يدخل ثمانيتنا فيها كشخصيات رئيسية بالتأكيد. اعتقال أخي محمد كان اعتداء على حريته، وعلى حكاياتنا جميعًا، التي لم تعد أبدًا كما كانت بعد أن سُحب منها عنوة.

خلال سنوات التغييب القسري، كنت كلما رأيت أحدنا يلحق خيط عمره الخاص، أفكر في محمد، هل لا تزال له أيام يحياها في مكان ما؟
اليوم، قرأنا اسمه للمرة الأولى في قوائم مسربة من مشفى المجتهد. رقمه في القائمة 465، جانب اسمه هناك تاريخ وفاة، 30 حزيران 2013، وتاريخ دفن 10 تموز 2013.

لم يكن الأمر مفاجئًا، عند سقوط النظام وفتح السجون والأقبية، تيقّنا من استشهاده، وفتحنا بيت عزاء لم يغلق.
اليوم صار له تاريخ وفاة، كما له تاريخ ميلاد. وصار له شاهدة قبر تشهد على ما تحايلنا عليه سنينًا، وتخبرنا أنه وإن لم نعرف له قبرًا، فكل أرض قبره.

اليوم أُجيب عن واحد من أسئلتنا الكثيرة، عرفنا متى أفلتت يدا أخي كرته الصوفية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *