البحث عن أصولي الجزائرية


منذ صغري، تكرر على مسامعي مرارا اسم “عبد المؤمن” باعتباره الاسم الأصلي لعائلتنا، وأنّ “كبريته” أو “كبريتة” ما هو إلا لقب أُلصق بنا خطأً -ولذلك الخطأ روايتان شفهيتان لا دليل يثقّل إحداهما.

ولقب كبريته المُحدَث يتماشى مع جنسيتنا السورية الحديثة أيضًا، فجميع أفراد عائلتنا الكبيرة -وهم قلّة – يتناقلون عن آبائهم أن أصولنا من عائلة عبد المؤمن من الجزائر، وتحديدا من ولاية تيزي وزّو. وأن قدوم جدنا كان بعد عام 1850، مع الأمير عبد القادر الجزائري – أو موجات الهجرة التالية له.

المشكلة في هذه الرواية أنّها شفهية تماما، لا وثائق لدينا تشير إلى التاريخ الدقيق لوصول الجدّ إلى سوريا، ولا مع من أتى، ولا اسمه حتى! وهو لغز لطالما حاولتُ حلّه، لكن للأسف بعد أن توفّي جدّيّ الاثنين، وهما على الأغلب حفيدا جدّنا الجزائري.

محاولاتي في تقفّي الأثر شملت زيارة لم تثمر للسفارة الجزائرية في سوريا قبيل الثورة، محاولات تواصل عبر منتديات جزائرية والسؤال عن الموضوع، ومحادثات مع سيدة فلسطينية جزائرية عارفة بالعائلات السورية الجزائرية في سوريا، والكثير من الأبحاث في مراجع تحدثت عن الهجرات الجزائرية الى سوريا. كذلك القراءة عن تاريخ عائلتي في كتاب “تاريخ دوما” وهي المدينة التي اختارها جدّنا الأكبر للإقامة بعد وصوله إلى سوريا.

ولديّ هنا بعض الأفكار، أو الفرضيّات إن صحّ التعبير، أولها أن يكون جدنا فقير الحال، وأنّه اتجه للغوطة حال وصوله لسوريا لضيق أحواله المادية، ورخص العيش فيها، وإمكانية عمله كفلاح. من المؤشرات المعززة لذلك هو أن والد جدّيّ لم يكن لديه سوى منزل متواضع ورّثه لأبنائه. ثاني أفكاري، هو ألا يكون لجدي حظّ وافر من العلم، عدم توارث العائلة أيّ أثر مكتوب أو رسائل بينه وبين عائلته في الجزائر يجعلني أفكر أنه قد يكون أمّيًا.

يذكر كتاب تاريخ دوما، أن الاسم الأصلي للعائلة “أبو حمّود”، لكنها معلومة يغلّطها من ناقشتهم بالموضوع من العائلة، فالثابت أن جدّي لأبي كان يوقّع كتبه باسم “محمود عبد المؤمن”، بل وأسمى أخي الأصغر عبد المؤمن للحفاظ على الصلة التاريخية بعائلتنا في الجزائر.

في الربيع الماضي، ولتعزيز أبحاثي، قررت أن أجري تحليل DNA، لعلّ الجينات تحمل أطراف خيوط جديدة. وكانت نتائج التحليل أنني سورية بنسبة 60%، ومصرية بنسبة 18% ! كانت الأرقام بمثابة صدمة لي، لكنني بعد القراءة أكثر عن الموضوع وجدت أن قواعد البيانات قد تخلط بين المغرب العربي والشمال الأفريقي عموما، وعموما فإن نسبة 18 بالمئة هي نسبة وازنة وقد تعتبر دليلا على هجرة غير بعيدة.

حاولت التواصل على منصات تحاليل الـ DNA، مع أشخاص يوجد بيني وبينهم تطابق لأجزاء طويلة من الحمض النووي لكنني لم أصل لفائدة تذكر.


والآن ما العمل؟

أحاول أن أستمر في قراءة الأبحاث والكتب التي تناولت هذا المجال، لكنني قررت أن أنشر هذا النصّ في مدوّنتي. أولا لأنه جانب أصيل ومهم لديّ، وثانيًا أملًا في أن يقرأه أحد لديه طرف خيط أو فكرة لطريق جديد لم أسلكها، بحثا عن آثار جدّي الذي سأسميه للتسهيل عبد المؤمن.

أقرأ حاليا كتاب “بدايات” لأمين معلوف، وكم أشعر بتقارب مع الرغبة في نبش التاريخ ومعرفة المزيد عن الجذور، وكم أشعر بالفارق بين الوثائق والمواد التي كانت متاحة لمعلوف، وبين بقايا الروايات الشفهية غير المؤكدة التي أسمعها من عائلتي.

ملحوظتان:


*سأتابع النشر إن استجدّ جديد في بحثي، عبر المدونة ومن ثم في الصفحة التي خصّصتها لهذا الموضوع، لأزيد من فرصة الانتباه للموضوع من قبل زوّار المدوّنة.

**الصورة البارزة خريطة رسمتها بالنمط القديم للخرائط، أتخيّل فيها السفينة التي هاجر فيها جدّي، إن كانت هجرته بحرًا.

حرّر في برلين 19 أكتوبر 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *