عشوائيات – وردود على تدوينات

أنهيت صباح اليوم قراءة كتاب “بدايات” لأمين معلوف. لا أعتقد أن الكتاب جذّاب للكثير من القراء، فموضوعه عائليّ جدًا، تأريخ لعائلة “مختارة معلوف” على مدى قرن ونصف. لكن الكتاب كان جاذبًا بشكل كبير لي، لأنّ لديّ أسئلة مشابهة حول جذوري وأصولي. لذا فإنّ قراءة تجربة أحدهم في هذا المجال لا يمكن إلا أن تكون ملهمة، فما بالك إن كان أمين معلوف، بخبرته وغربته، التي تجعل خواطره وأفكاره حول البلاد الثانية وتشتت العائلات والتيه، جزءًا إضافيا وأصيلا نتشارك فيه.

يذكّرني هذا بما قرأته، صباح اليوم، على مدوّنة بحر. تدوينة قد يعتبرها هو عشوائية، لكني أجد في هذا الأسلوب تحديدا صدقًا وعمقًا حقيقيًا، قد لا يقصده كاتبه، لكنّ قارئه يقدّره. يؤرّقني هذا الموضوع مؤخّرًا بشكل كبير، ويشغل حيزًا وازنًا من تفكيري. وقد يكون هذا المأزق مشتركًا بين المتنقّلين عبر عدة بلدان. يوسّع العيش خارج الوطن تجربة المرء بلا ريب، إلا أن ثمنًا خفيّا يُدفع أثناء ذلك، فيتصدّع الانتماء الواحد، بل مفهوم الانتماء أصلا. لا أبجدية واحدة تضمّ حروفنا، تتشتتّ ذاكرتنا وخطواتنا في دروب عديدة، بل حتى صورنا، ذكرياتنا، وأوقاتنا العائلية، تتوزع على جدران كثيرة في بيوت مؤقتة.
من هنا، أفهم تماما ما قاله بحر: “أريد بيت”. نعم، هذه الرغبة موجودة لديّ أيضًا، وأعتقد أن هذا الإحساس العميق بالحاجة لحيّز يزداد عندما نفتقد شعور الوطن، فنبحث عنه في بقعة جغرافية أصغر، على قدّنا، يسمّونها بيت، ونسمّيها وطنًا.
وهذا الأمر شائع، شائع ومنتشر بكثرة، لدرجة أشعر فيها بأن مشتتي الانتماء شعب كامل، وأن إحساسنا ببعضنا وطبطبتنا على بعضنا تقلل غربتنا وتخفف عنا بعض العناء.*

مما قرأته اليوم أيضًا هو تدوينة للمدوّن طارق الموصلي، بعد عدة تدوينات مؤلمة، كتب الموصلي تدوينة فيها بصيص نور، أن هناك ما يستحق تحمل المسؤولية، وهو طفلتيه. نعم، نهب أطفالنا الحياة مرة، فيبهونها لنا مرات عديدة. كنتُ مؤخرًا في اجتماع فيديو، وتحدّث أحد الحضور عن أمنية نيزك أو نووي لتنتهي مأساتنا جميعأ، معظم الحضور ضحكوا وأمّنوا على كلامه؛ إلا قلة، وكان القاسم المشترك بين المعترضين هو أننا آباء وأمهات. إنجاب طفل سيجعلك تفكر بما بعد موتك بالضرورة، تريد أن تتحسن موارد المياه لئلا يعطش ابنك، وألا يسوء التغيّر المناخي حتى تستمر قابلية حياته، أن يعمّ السلام ليعيش. كثيرًا ما يكون أطفالنا مرساة السفينة. – التعبير أيضًا مستوحى من تدوينة بحر-

أتابع في هذه الفترة مسلسل الزير سالم، ويعجبني جدًا. السماع للعربيّة الفصحى يروي عطشًا في داخلي. ترددّ شخصية الزهراء أخت وائل بن ربيعة أبياتٍ، واسمها الموثّبات، ولها بالفعل دورٌ مباشر فيما آلت إليه الأمور بين الأطراف المتصارعة حينها:

مَا كُنْتُ أَخْشَى وَالحَوَادِثُ جَمَّةٌ
أَنَّا عَبِيْدُ الحَيِّ مِنْ غَسَّانِ

حَتَّى عَلَتْنِي مِنْ لَبِيْدٍ لَطْمَةٌ
سَدَرَتْ لِحَامِي حَرِّهَا العَيْنَانِ

لَا يَبْرَحُوْا الدَّهْرَ الجَدِيْدَ أَذِلَّةً
شُنْجَ الأَعِنَّةِ يَوْمَ كُلِّ رِهَانِ

لَوْلَا الوَجِيْهَةُ قَطَّعَتْنِي بَكْرَةٌ
جَرْبَاءُ مُشْعَلَةٌ مِنَ القَطِرَانِ

حسنًا، ذكرني هذا أن أشارك قصيدة أخرى أحببتها ووردت في كتاب “بدايات” لأمين معلوف، وهي قصيدة كتبها والده رشدي معلوف لأمه في عيد الأم، وغنّتها لاحقًا فيروز:

ربّي سألتك باسمهنّ أن تفرشَ الدنيا لهنّ

بالوردِ إن سمحتْ يداك وبالبنفسج بعدهنّ

حبُّ الحياةِ بمنّتين وحبهنّ بغير مِنّة

نمشي على أجفانهنّ ونهتدي بقلوبهنّ

فردوسهنّ وبؤسهنّ ببسمةٍ مِنّا وأنّه

سمّارنا في غربةِ الدنيا وصفوة كلِّ جنّة

ربّي سألتك رحمة وجهَ السماءِ ووجههنّ**

فامسح بأنملك الجراح و ردّ أطراف الأسنّة

لتطلّ شمسك في الصباح وكلُّ أمٍّ مطمئنة

ملاحظات:

*هذه المرة الثانية التي تلهمني فيها تدوينة لبحر أن أكتب، في المرة الأولى كتبت نصًا طويلا ربما أنشره يومًا هنا في حينه.
** في هذا الموضع من القصيدة بيتان إضافيّان ذكرهما أمين معلوف ولم أجدهما في نُسختها على الانترنت، وهما:

أمّنتهنّ على الحياة وكنتَ في أحشائهنّ

وتركتَ من خفقاتِ قلبك خفقةً في صدرهنّ

*** لم أجد صورة بارزة أكثر عشوائية للتدوينة من رسمي لشخصية وائل بن ربيعة “كُليب” في مسلسل الزير سالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *